ابن كثير
142
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 72 إلى 75 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 72 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية ، ممن قال منهم : بأن المسيح هو اللّه ، تعالى اللّه عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا ، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد اللّه ورسوله ، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال : إني عبد اللّه ، ولم يقل أنا اللّه ولا ابن اللّه ، بل قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا إلى أن قال وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [ مريم : 30 - 36 ] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرا لهم بعبادة ربه وربهم ، وحده لا شريك له ، ولهذا قال تعالى : وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي فيعبد معه غيره فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] . وقال تعالى : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ [ الأعراف : 50 ] ، وفي الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث مناديا ينادي في الناس : إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ، وفي لفظ : مؤمنة ، وتقدم في أول سورة النساء عند قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ * ، حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة : الدواوين ثلاثة ، فذكر منه ديوانا لا يغفره اللّه ، وهو الشرك باللّه ، قال اللّه تعالى : مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، والحديث في مسند أحمد ، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي وما له عند اللّه ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه . وقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني ، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم ، حدثنا الفضل ، حدثني أبو صخر في قول اللّه تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ قال : هو قول اليهود عزير ابن اللّه ، وقول النصارى : المسيح ابن اللّه ، فجعلوا اللّه ثالث ثلاثة ، وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى ، والصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة ، قاله مجاهد وغير واحد ، ثم اختلفوا في ذلك فقيل : المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة : وهو أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن ، تعالى اللّه عن قولهم علوا